الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

95

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ف ( من ) استفهام مستعمل في الإنكار ، أي لا أحد أظلم من هؤلاء المتحدث عنهم . والنسيان : مستعمل في التغاضي عن العمل . وحقيقة النسيان تقدم عند قوله تعالى : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها في سورة البقرة [ 106 ] . ومعنى ما قَدَّمَتْ يَداهُ ما أسلفه من الأعمال . وأكثر ما يستعمل مثل هذا التركيب في القرآن في العمل السيئ ، فصار جاريا مجرى المثل ، قال تعالى : ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ، وقال : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ . والآية مصوغة بصيغة العموم ، والمقصود الأول : منها مشركو أهل مكة . وجملة إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً مستأنفة بيانية نشأت على جملة وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ، أي إن لم تعلم سبب نسيانه ما قدمت يداه فأعلم أنا جعلنا على قلوبهم أكنة . وهو يفيد معنى التعليل بالمآل ، وليس موقع الجملة موقع الجملة التعليلية . والقلوب مراد بها : مدارك العلم . والأكنة : جمع كنان ، وهو الغطاء ، لأنه يكن الشيء ، أي يحجبه . و أَنْ يَفْقَهُوهُ مجرور بحرف محذوف ، أي من أن يفقهوه ، لتضمين أَكِنَّةً معنى الحائل أو المانع . والوقر : ثقل السمع المانع من وصول الصوت إلى الصماخ . والضمير المفرد في يَفْقَهُوهُ عائد إلى القرآن المفهوم من المقام والمعبر عنه بالآيات . وجملة وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى عطف على جملة إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ ، وهي متفرعة عليها ، ولكنها لم تعطف بالفاء لأن المقصود جعل ذلك في الإخبار المستقل . وأكد نفي اهتدائهم بحرف توكيد النفي وهو ( لن ) ، وبلفظ ( أبدا ) المؤكد لمعنى ( لن ) ، وبحرف الجزاء المفيد تسبب الجواب على الشرط . وإنما حصل معنى الجزاء باعتبار تفرع جملة الشرط على جملة الاستئناف البياني ، أي ذلك مسبب على فطر قلوبهم على عدم قبول الحق . [ 58 ]